Top Article

جائحة كورونا فرصة لإعادة ابتكار مستقبل التعليم

التعليم الإلكتروني
23 يوليو, 2020

جائحة كورونا فرصة لإعادة ابتكار مستقبل التعليم

التعليم الإلكتروني

مع تباين انتشار فيروس كورونا ومُعاناة الدول بسبب الجائحة، فقد تأثر أكثر من 1.2 مليار طالب في 186 دولة بإغلاق المدارس. واختلفت أساليب الحكومات في إدارة الأزمة على المستوى التعليمي، وكثرت التساؤلات حول دور التعليم المنزلي وجدوى التعليم الإلكتروني وعن إمكانية استمراره بعد انتهاء الجائحة وتأثيره على قطاع التعليم على الصعيد العالمي.

وبالإضافة إلى النقاش حول التعليم الإلكتروني، شمل الجدل إعادة النظر في النظام التعليمي نفسه ودور الاختبارات وأساليب التلقين والحفظ في مُقابل التركيز على مهارات المستقبل مثل التفكير النقدي والبرمجة والمرونة والمهارات الشخصية، والدور المُحتمل للتعليم عبر الإنترنت في علاج المُشكلات الكامنة في النظام التعليمي.

صعود تكنولوجيا التعليم

قبل جائحة كورونا، زاد الإقبال على تبني تكنولوجيا التعليم؛ إذ بلغت الاستثمارات العالمية في تكنولوجيا التعليم 18.66 مليار دولار في عام 2019، ويُتوقَع وصول الحجم الإجمالي لسوق التعلم عبر الإنترنت إلى 350 مليار دولار بحلول عام 2025. ويأتي ذلك ضمن أشكال مختلفة مثل تطبيقات تعليم اللغات والتعليم الافتراضي ومنصات عقد المؤتمرات المرئية وبرامج التعليم الإلكتروني، وبالفعل زاد استخدام هذه الأشكال جميعًا في ظل جائحة فيروس كورونا.

وفي استجابةٍ للطلبِ المُتزايد، أتاحت العديد من المنصات خدماتها مجانًا، ومنها شركة “بايجوس” (BYJU’S)، وهي شركة تقنيات تعليمية وتدريب عبر الإنترنت تأسست عام 2011 ويقع مقرها في مدينة بنجالور الهندية، وتُصنَف الآن بين أهم شركات التقنيات التعليمية على مستوى العالم. وشهدت الشركة زيادة بنسبة 200% في عدد الطلبة المستخدمين لمنتجاتها منذ أعلنت عن البث الحي للدروس المجانية على التطبيق الخاص بها (Think and Learn)، وفقًا للرئيس التنفيذي للشركة مرينال موهيت.

تأثر الطلاب بجائحة كورونا

يُبين الرسم أعداد الطلاب في المراحل التعليمية المختلفة الذين تأثروا بإغلاق المدارس حول العالم في خلال شهريّ فبراير ومارس 2020 (المصدر)

وفي الصين، تنامى الإقبال على خدمات الفصول الدراسية من شركة “تينسينت” (Tencent) منذ منتصف شهر فبراير/شباط الماضي بعدما وجّهت الحكومة الصينية نحو ربع مليار طالب بمتابعة دروسهم من خلال المنصات الإلكترونية. وأنتج ذلك أكبر حركة إلكترونية في تاريخ التعليم؛ فقد صار هناك نحو 730 ألف طالب أو نحو 81% من الطلاب بين رياض الأطفال والمرحلة الثانوية يتابعون دراستهم عبر منصة “تينسينت” الإلكترونية. وفي الصين أيضًا، استجابت شركة “علي بابا” الصينية للتجارة الإلكترونية لنمو الطلب سريعًا. وقدمت منصتها “دينج توك” للتعلم عن بُعد خدمات لدعم العمل عن بُعد على نطاقٍ واسع.

وفي الوقتِ نفسه، تعمل شركاتٌ أخرى على توفير خدمات مُتكاملة للطلبة والمعلمين. وعلى سبيل المثال، بدأت “لارك” (Lark) في سنغافورة في توفير العديد من الإمكانيات للمدرسين والطلبة مثل المؤتمرات المرئية غير مُحددة الوقت وخدمات الترجمة الآلية والتحرير المشترك في الوقت الحقيقي والجدولة الذكية لمواعيد وغير ذلك. و”لارك” هي حزمة تعاونية طورتها في البداية شركة “بايت دانس” (ByteDance) لتكنولوجيا الإنترنت بغرض الاستخدم الداخلي أثناء نموها المُتسارع. وكي تنجح في التجاوب مع  أزمة كورونا، حدثَّت “لارك” قدراتها لهندسية والتقنية لضمان اتصالات موثوقة.

وانخرطت بعض المدارس في شراكاتٍ تعليمية لتقديم برامج تعلمية محلية على قنواتٍ مُنفصلة تستهدف فئاتٍ عمرية مُتباينة، ومن خِلال خيارات رقمية متنوعة. وأعلنت مؤسسات إعلامية دعمها للتعليم الافتراضي ومنها “هيئة الإذاعة البريطانية” أو “بي بي سي” من خلال منصة “بايت سايز ديلي” (Bitesize Daily) لتقديم محتوى تعليمي للأطفال في المملكة المتحدة على مدار أربعة عشر اسبوعًا، وبمُشاركة بعض المشاهير.

في عام 2019، بلغت الاستثمارات في تكنولوجيا التعليم 18.66 مليار دولار، ويُتوقع صعودها إلى 350 مليار دولار في غضون خمسة أعوام.

تحديات التعليم الإلكتروني

على الرغم من نمو التعلم عن بُعد وعبر الإنترنت أثناء جائحة كورونا وقبلها، إلا أن هذا الاتجاه يُواجه تحديات كبيرة تبدأ بصعوبة الوصول إلى الإنترنت والأدوات التكنولوجية اللازمة لعملية التعلم الرقمية، وهو أمر أكد اتساع الفجوة الرقمية وانعدام المساواة على مستوى المجتمع الواحد وبين الدول المختلفة.

وعلى سبيل المثال، يمتلك نحو 95% من الطلبة في سويسرا والنرويج والنمسا حواسب آلية لمباشرة أعمالهم المدرسية، في مُقابل نسبة 34% فقط من الطلبة في إندونيسيا، وفقًا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وحتى داخل الولايات المتحدة فهناك هوة واسعة تفصل بين الطبقتين الثرية والفقيرة؛ فلا يملك نحو 25% من الطلاب الفقراء حواسب آلية للقيام بأعمالهم المدرسية عن بُعد. وهناك مخاوف مُبررة من اتساع الفجوة الرقمية بين الطبقات بسبب جائحة كورونا وتضرر المستوى الاقتصادي لملايين الأشخاص.

التعليم

يُتوقع أن يصير التعلم الإلكتروني جزءًا من عملية التعليم في الفصول الدراسية بعد انتهاء أزمة كورونا (المصدر)

ما مدى فعالية التعليم الإلكتروني؟

تُشير بعض الأدلة إلى أن التعليم الإلكتروني قد يفوق التعليم التقليدي كفاءةً؛ وبينت دراسات أنه في المتوسط يستطيع الطلاب استيعاب المواد التعليمية على الإنترنت بنسبةٍ تتراوح بين 25% و60% مقارنةً بنسبة 8% إلى 10% داخل الفصول الدراسية. كما يستهلك التعلم عن بُعد وقتًا أقل بنسبة 40-60% من الطرق التقليدية في الفصول، وذلك لأن باستطاعة كل طالب تنظيم عملية التعلم وفقًا لاحتياجاته الخاصة وإعادة الاستماع والقراءة بقدر احتياجاته.

ومع هذا، فإن كفاءةَ التعليم عن بُعد تختلف بين المجموعات العمرية المختلفة. وبشكلٍ عام، فإن الأطفال الأصغر سنًا يحتاجون إلى بيئة أكثر تنظيمًا بسبب سهولة تعرضهم لتشتت الانتباه، وهناك مخاوف من تضرر مهارات القراءة لدى الأطفال بسبب ابتعادهم عن الفصول الدراسية لشهورٍ مُتتالية في ظل الإغلاق.

ويتطلب تحقيق الفائدة الكاملة من التعلم عبر الإنترنت جهودًا مُنسَّقة لتوفير بنية مُنظمة لا تكتفي بتوفير المحادثات عبر الفيديو. كما يُمكن الاستعانة بأدوات التفاعل والمشاركة التي تُعزز الشمول والتخصيص والذكاء. واستنادًا إلى نتائج الدراسات التي أثبتت تعلم الأطفال بشكلٍ أكبر وأعمق من خلال حواسيبهم، ينبغي توظيف التكنولوجيا في جعل عملية التعلم أكثر إمتاعًا وتأثيرًا في الأطفال من خلال الاستخدام الذكي للألعاب.

جائحة كورونا فرصة لإعادة ابتكار مستقبل التعليم ومشكلات النظام التعليمي التقليدي وإمكانات الاستفادة من تكنولوجيا التعليم في علاجها

مستقبل التعليم

تتجه بعضُ الآراء إلى أن التحول المفاجئ وغير المُخطط له نحو التعليم عبر الإنترنت سيُنتج تجربةً سيئة؛ نظرًا لغياب التدريب والتحضير وتأمين إمكانات الاتصالات اللازمة. وتميل بعض وجهات النظر إلى تصور مستقبل يجمع بين التعليم المُباشر والتعليم عبر الإنترنت؛ إذ سيزيد حضور تكنولوجيا التعليم في العملية التعليمية ويتحول التعليم الإلكتروني إلى عنصرٍ تكاملي في التعليم المدرسي، وسيكون لهذا المزيج فوائده منها تحسين طرق التواصل مع الطلاب من خلال مجموعات الدردشة والمحادثات المرئية والتوصيت ومشاركة المستندات.

وهناك إشارات على نجاح بعض المؤسسات في هذا التحول. وعلى سبيل المثال، نجحت “جامعة زيجيانج” الصينية في تنظيم أكثر من خمسة آلاف دورة عبر الإنترنت خلال أسبوعين فقط باستخدام برنامج “دينج توك” الخاص بالجامعة. وأطلقت جامعة “إمبريال كوليدج لندن” دورةً تعليمية حول فيروس كورونا عبر موقع “كورسيرا” للدورات عبر الإنترنت، واجتذبت الدورة أكبر عدد من الطلاب على موقع “كورسيرا” في هذا العام.

وفي كل الأحوال تُمثِّل جائحة كورونا فرصة لبحث مستقبل التعليم؛ فكثيرًا ما تُشكِّل الأحداث العالمية الكبرى نقطة تحول دافعة نحو الابتكار السريع، ومن الأمثلة الواضحة على ذلك انتشار التجارة الإلكترونية في مرحلة ما بعد تفشي فيروس سارس. وإذا كان لا يزال مِن المُبكِّر تحديد أزمة كورونا على التعليم الإلكتروني، إلا أن التعليم يُعد بين القطاعات القليلة التي تستمر في اجتذاب الاهتمام والاستثمار، كما كشفت الأزمة الأهمية البالغة لدور الجامعات ومُشاركة المعرفة والتعاون العلمي عبر الحدود. وإذا كان هناك ثمة دور لتكنولوجيا التعلم عن بُعد، فمن الضروري استكشاف كامل إمكاناتها وتذليل الصعوبات أمام الاستفادة منها.