تأثيرات كورونا

كيف ستُغيّر جائحة كورونا قطاع الطاقة المتجددة؟

الطاقة المتجددة
8 يوليو, 2020

ترافق انتشار فيروس كورونا مع انهيار الطلب على الوقود الأحفوري في ظل إجراءات الإغلاق الكلي وتوقف كثير من الصناعات على مستوى لم يشهده العالم منذ سبعين عامًا. وخلال أزمات سابقة لقطاع الطاقة، عاود الطلب الارتفاع بمُعدلاتٍ أعلى، لكن الأزمة الحالية تبدو مختلفة، ويُتوقع أن تُحدِث تحولات جذرية تستمر لفترةٍ أطول على الأقل فيما يخص الوقود الأحفوري والتصاعد الواضح في استخدام المصادر المُتجددة والنظيفة للطاقة.

ملامح أزمة الطاقة

تُقدِّر الوكالة الدولية للطاقة تراجع إجمالي الطلب على الطاقة بنسبة 6%، الأمر الذي يعني انخفاض الانبعاثات المُرتبطة بالطاقة بنسبة 8% لعام 2020. وتتوقع الوكالة تراجع الطلب العالمي على النفط بنسبة 9% والفحم بنسبة 8% خلال هذا العام، في حين تُسجِّل أسعار النفط الخام انخفاضًا غير مسبوق.

وأثناء جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، اتخذت الكثير من الحكومات تدابير شاملة للإغلاق الكُلي، أدت إلى انخفاضٍ هائل في الطلب على الطاقة الكهربائية يُقدَّر بنسبةٍ تتراوح بين 15% إلى 30% في بعض البلدان. كما أدت إلى توافر إمداد زائد عن الحاجة من الطاقة المُتاحة. ومع اندلاع الأزمة، سعى مُشغلو الشبكات إلى الحصول على أرخص وأنظف مصدر لموازنة الطلب المنخفض. وبذلك زاد الطلب على المصادر المتجددة وانخفض الطلب على الوقود الأحفوري الأكثر تلويثًا للبيئة والأعلى تكلفة. واستمر ذلك حتى عندما انخفض سعر الوقود الحفري انخفاضًا تاريخيًا.

وفي غضون أشهر معدودة، جاءت نقطة التحول بالنسبة للوقود الأحفوري عندما اتجهت مناطق رئيسية في العالم إلى استخدام مصادر الطاقة المتجددة. وقاد التفاعل بين التطور التكنولوجي والقواعد وظروف السوق خلال فترة انتشار فيروس كورونا إلى تحولٍ أسرع بالنسبة لقطاع الطاقة.

وخلال أزمات سابقة مُماثلة شهدت انخفاض سعر النفط، تزايد الإقبال مُجددًا على الوقود الأحفوري وارتفع الاستهلاك مرةً أخرى. وتحسنت بالفعل مُعدلات الطلب على المصادر التقلدية للطاقة بالتزامن مع تخفيف إجراءات الإغلاق الكلي. ومع ذلك، فإن الأثر الأطول أمدًا لهذه الأزمة لم يتحدد بعد. وتحسنت بالفعل مُعدلات الطلب على المصادر التقلدية للطاقة بالتزامن مع تخفيف إجراءات الإغلاق الكلي.

ارتفاع استهلاك الطاقة المتجددة ليس مُؤقتًا

تتميز أزمة الطاقة الراهنة الناجمة عن جائحة كورونا بزيادةٍ كبيرة في استخدام مصادر الطاقة المُتجددة وخصوصًا الرياح والطاقة الشمسية، بلغت حصتها في إنتاج الطاقة الكهربائية مستويات قياسية في العديد من البلدان. وخلال أقل من عشرة أسابيع، زاد استهلاك الولايات المتحدة من الطاقة المتجددة بنسبة 40% تقريبًا، وارتفع استخدام الهند منها بنسبة 45%. وبلغت إيطاليا وألمانيا وأسبانيا أرقامًا قياسية جديدة في دمج الطاقة المتجددة في شبكات الكهرباء.

وعلى الرغم من أن جائحة كورونا حالة طارئة في المقام الأول، إلا أن نتائجها على قطاع الطاقة ليست كذلك. وتعود الزيادة المُستمرة في حصة الطاقة المُتجددة إلى مجموعةٍ مُتداخلة من السياسات والقواعد والحوافز والابتكارات السابقة اعتمدتها قطاعات الطاقة في العديد من البلدان ذات التفكير المستقبلي. وتحديدًا هناك ثلاثة عوامل رئيسية وراء الزيادة في استخدام الطاقة المتجددة أثناء أزمة كورونا:

  1. سياسات مُلائمة: في العديد من البلدان، تحظى مصادر الطاقة المتجددة بالأولوية بفضل القواعد المُنظمة لسوق الطاقة. وتُمنَح الأولوية إلى المصادر الأقل تكلفة، تفضيلًا للمصادر الأرخص والأكثر نظافة.
  2. الابتكار المُستمر: باتت الطاقة المُتجددة هي المصدر الأرخص للطاقة. وأشارت تقارير حديثة من الوكالة الدولية للطاقة المتجددة إلى تراجع تكلفة الطاقة الشمسية بنسبة 82% على مدار الأعوام العشرة الماضية، في حين تُؤكد مؤسسة "بلومبيرج لتمويل الطاقة الجديدة" (BNEF) المُتخصصة في الأبحاث أن الطاقة المتجددة هي أرخص مصادر الطاقة الآن في ثلثيّ دول العالم.
  3. تفضيلات الاستثمار: زاد تفضيل المستثمرين لمشروعات الطاقة المتجددة عند إنشاء محطات الطاقة. وعلى مدى عقدين من الزمان، نمت مشروعات الطاقة المتجددة، وحاليًا تُمثِّل 72% من من محطات الطاقة المتجددة.
الطاقة المتجددة خلال أزمة كورونا

خلال فترة الإغلاق الشامل بسبب جائحة كورونا، تنامى استخدام مصادر الطاقة المُتجددة في دولٍ مختلفة مثل الولايات المتحدة والهند (الوكالة الدولية للطاقة)

صعود الطاقة المُتجددة وتدفق الإمداد

تأثر الطلب على الطاقة كثيرًا بإجراءات الإغلاق الكلي في كثيرٍ من الدول. وترسم النقاط الأربع التالية معالم تغيرات قطاع الطاقة خلال أزمة كورونا:

1. تأثير العمل عن بُعد

من خلال التزام ملايين الأشخاص بالبقاء في منازلهم، تغيرت طبيعة تنقلاتهم وتحول كثيرون إلى أداء أعمالهم من المنزل وتغيرت أوقات الذروة، ومعها تغيرت معدلات التخزين لمصادر الطاقة غير المتجددة.

2. زيادة غير مسبوقة في الطاقة النظيفة

وفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فقد تخطى استهلاك الطاقة المتجددة في الولايات المتحدة استهلاك الفحم للمرة الأولى منذ 130 عامًا. بينما سجلت المملكة المتحدة رقمًا قياسيًا جديدًا في توليد الطاقة الشمسية في شهر أبريل/نيسان الماضي، وكذلك الحال في بلدانٍ أوروبية أخرى مثل أسبانيا وإيطاليا.

3. تحول سريع تجاه الطاقة المُتجددة

استغرق التحول الجذري من الوقود الأحفوري إلى المصادر النظيفة للطاقة أقل من ثلاثة أشهر بدون أن يضر بتدفق إمدادات الطاقة.

4. تحديات الطاقة المتجددة

قد يتسبب الانخفاض الهائل في الطلب على الوقود الأحفوري إلى جانب الارتفاع غير المُتوقع في نسبة مصادر الطاقة المتجددة في ضغوطٍ تضر بانتظام شبكات الطاقة، بما يُشبه ما يحدث نتيجة زيادة الطلب على الكهرباء. ومن المُهم المحافظة على شبكات الطاقة وبنيتها التحتية؛ نظرًا لأن الشبكات الأكثر مرونةً وكفاءةً وذكاء تسمح بإنشاء المزيد من المحطات المترابطة وتقليل الاختناقات. ويُشار إلى التحول إلى الطاقة المُتجددة لا يشمل جميع بلدان العالم، وتظل البلدان النامية خارج قائمة الدول المُستعدة لدمج المصادر المُتجددة للطاقة في شبكاتها وفقًا لمُؤشر تحول الطاقة لعام 2020 الصادر من المنتدى الاقتصادي العالمي.

الوقود الأحفوري والنفط

تراجع استخدام الوقود الأحفوري وانخفضت أسعار النفط إلى مستوياتٍ غير مسبوقة خلال أزمة جائحة كورونا (المصدر)

الطريق نحو مستقبل أخضر بعد جائحة كورونا

قدَّمت فترة الإغلاق الشامل دروسًا مُهمة حول سياسات الطاقة النظيفة وأنماط التغير في الطلب وطريقة التحول نحو المصادر المُتجددة دون الإضرار بإمدادات الطاقة. كما فتحت آفاقًا أوسع أمام الاستثمار والابتكار بما يدعم تأسيس مستقبل أكثر استدامة ومُلائمةً للبيئة وأقدر على مقاومة تغير المناخ.

ومع ذلك، فإن الجزء الأكبر من المُساعدات الحكومية سيُخصَص لدعم الصناعات التي تُخلِّف الانبعاثات الكربونية، وتُقدَّر بنحو 509 مليار دولار بدون مطالبتها بأي تحسينات، وفقًا لمؤسسة "بلومبيرج لتمويل الطاقة الجديدة" البحثية. وعلى سبيل المثال، بلغت قيمة خطة الإنقاذ المُخصصة لشركات الطيران 123 مليار دولار دون أن تشمل اشتراطات لخفض مُعدل الانبعاثات الكربونية.

وبِوسع الشركات والمستثمرين أن يلعبوا دورًا أكبر في تعزيز الاستثمار في الطاقة النظيفة من خلال تشجيع سلاسل الإمداد مُنخفضة الانبعاثات الكربونية واغتنام الفرص في أسواق الطاقة النظيفة. وفي شهر يونيو/حزيران الماضي، أشار تقرير من "جامعة إمبريال كوليدج" البريطانية إلى أن أسهم الطاقة المتجددة لا تُقدِّم للمستثمرين عائدات إجمالية أعلى نسبةً إلى الوقود الأحفوري فحسب، بل إنها تقدم أيضًا مُعدلات أقل في التقلبات السنوية.

وبينما تبدأ الحكومات صياغة قواعد جديدة ودعم الشركات في عالم ما بعد كورونا، فينبغي عليها التركيز على ما يلي:

  • تقييم دروس فترة الإغلاق الكلي، وتشجيع استخدام الطاقة النظيفة من أجل دعم وإدارة حصة أعلى من مصادر الطاقة المتجددة بفعالية.
  • إعادة توجيه الاستثمار وزيادة الابتكار سعيًا إلى تحسين تكنولوجيا البطاريات والتخزين والأسواق الرقمية وبلوك تشين والشبكات الذكية للطاقة.

وختامًا، كان لجائحة كورونا دورًا كبيرًا في التحول من المصادر غير المتجددة إلى المصادر المتجددة. وباستطاعة الشركات والحكومات والشعوب الحفاظ على تلك المكتسبات من خلال سن القوانين والسياسات للحد من الانبعاثات الكربونية بعد تخفيف إجراءات الإغلاق  ودعم الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.