ما بعد كورونا

الجامعات وسط أزمة كورونا: أولوية التحول الرقمي والابتكار

الجامعات وسط أزمة كورونا
30 أغسطس, 2020

الجامعات وسط أزمة كورونا: أولوية التحول الرقمي والابتكار

الجامعات وسط أزمة كورونا

قبل أشهر قليلة، لم يكن اللجوء إلى التعليم عن بُعد والعمل من المنزل على نطاقٍ واسع ولفترة طويلة موضوعًا مطروحًا للنقاش، مثلما هو الآن. وفيما يتعلق بالتعليم، وقبل جائحة كورونا، تركز اهتمام الحكومات والمجتع المدني على قضايا مثل معايير قياس التعلم وسُبل توفير فرص عادلة للتعليم والعلاقة بين التعليم وخطط التنمية.

ولكن جائحة كورونا غيَّرت في توجهات العملية التعلمية وتشكيلها، ودفعت بقضايا التحول الرقمي ودور التكنولوجيا الرقمية في العملية التعليمية إلى واجهة النقاش، ومعها تساؤلات مُستمرة حول مستقبل المؤسسات التعليمية والمهارات المطلوبة للمستقبل وخصوصًا في عالم ما بعد الجائحة العالمية.

في مستهل عام 2020، وقبل تفشي فيروس كورونا، كانت الحكومات والمجتمعات المدنية في أنحاء أوروبا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا مهتمة بخمسة جوانب أساسية فيما يخص التعليم العالي هي:

  • ضمان حصول الطلبة ذوي الدخل المُنخفض والأفراد المنتمين للأقليات على فرص متساوية للتعليم.
  • البحث عن صيغ لقياس نتائج التعلم والتحصيل وصلتها بمعدلات توظيف الخريجين والإنفاق الحكومي.
  • التزام الجامعات بدعم أهداف التنمية المستدامة، ودورها في التنمية الاقتصادية وفقًا للظروف الإقليمية.
  • تشجيع الجامعات على تدريب الكفاءات وطرح برامج تعليمية للبالغين العاملين.
  • صحة أعضاء هيئة التدريس والطلاب، بما في ذلك تغذيتهم وصحتهم البدنية والعقلية.

المرحلة الأولى: تغير مفاجئ

تغير كل شيء بعد جائحة فيروس كورونا، بما فيها لائحة الاهتمامات السابقة. وباتت أهداف أخرى في صدارة سلم أولويات التعليم العالي. وامتدت المرحلة الأولى للتغيير بين مارس/آذار وأبريل/نيسان، وركزت على تأسيس وسط اجتماعي جديد للعمل، من حيث طرق التدريس والبحث والتغيرات المرتبطة بظروف العمل في الجامعات.

واضطرت الجامعات، بسبب الإغلاق الكُلي لاحتواء فيروس كورونا، إلى نقل صفوفها الدراسية إلى شبكة الإنترنت لنهاية العام الدراسي؛ كي تضمن درجةً من استمرارية الدراسة في نظر الطلبة وأسرهم. وكشف هذا التحول على الفور عمق انعدام المساواة والفجوة الرقمية بين الطلاب الذين تتوافر لديهم إمكانات الاتصال بالإنترنت والموارد التقنية لمُتابعة دروسهم عن بُعد وأقرانهم ممن يفتقرون إلى تلك الإمكانات.

ولاحقًا تجلى البُعد الاقتصادي للأزمة على الجامعات التي تُواجه بعضها أزمات مالية؛ نظرًا لتراجع أعداد الطلاب الملتحقين بها وخصوصًا من الأجانب وتخفيض مصروفات الدراسة. ولكن بعض الدول، ومنها الولايات المتحدة، سرعان ما شرعت في إجراءات التصدي للخسائر قصيرة المدى التي تُواجهها الجامعات. وفي المملكة المتحدة، أصر ثلاثة رؤساء سابقين للجامعات على أهمية حماية الجامعات باعتبارها مرافق عامة وأصول وطنية للمعرفة والتماسك الاجتماعي.

وفي الوقت نفسه، استفادت العديد من منصات التعليم الإلكتروني المفتوح من التحول إلى التعليم عن بُعد، وطرحت جزءًا من دوراتها بشكلٍ مجاني للجمهور كبديل مُؤقت للطلبة الذين توقفت جامعاتهم. وارتفع عدد المُلتحقين بدورات ريادة الأعمال والتكنولوجيا ومهارات البيانات بشكلٍ ملحوظ خلال الأشهر القليلة الماضية.

دفعت جائحة كورونا بمسألة التحول الرقمي إلى صدارة أولويات قطاع التعليم. ويرى البعض أن التعليم بصدد حالة من الابتكار المُزعزع.

المرحلة الثانية: التكيف

بدأت المرحلة الثانية من مايو/آيار وحتى يونيو/حزيران. وأدى التدريب الداخلي إلى تعزيز القدرات التكنولوجية اللازمة للتعليم عن بُعد، الأمر الذي سمح لأعضاء التدريس بتحسين أساليب التدريس. وبهذه الطريقة، تأقلمت مُختلف عناصر العملية التعليمية، بما فيها المقررات وطرق التقييم وموارد الدعم، بالإضافة إلى الأدوات التكنولوجية، لتمكين التفاعل الافتراضي في الصفوف الدراسية.

كما زادت إمكانية اندماج الجامعات وشركات التكنولوجيا في ظل الضغوط الاقتصادية، واضطرت بعض المؤسسات التعليمية الصغيرة والمتوسطة للتوقف. كما برزت قضية منع الطلبة الدوليين من السفر وعواقب ذلك على الأفراد والمؤسسات في ضوء تجميد بعض الدول إصدار تأشيرات الدخول.

المرحلة الثالثة: إعادة ترتيب الأمور

بدأت المرحلة الحالية من شهر يوليو/تموز، وركزت خلالها الجامعات على المهام الإدارية والتنظيمية وإعادة ترتيب أمورها الداخلية. ويجري حاليًا تجميع البيانات وإتاحتها بشكلٍ مركزي ومُعالجة كل حالة على حدة. وخصصت فرق عمل مسؤولة عن النظافة العامة وتَتَبُّع الإصابات والتشخيص في الحرم الجامعي بالإضافة إلى الموارد التكنولوجية للمختبرات وغرف الدراسة. وفي الوقت نفسه، يستمر التواصل بين الطلاب وعائلاتهم والكليات وأعضاء هيئة التدريس مستمرًا ومفتوحًا.

تحتاج الجامعات والمؤسسات التعليمية إلى نهجٍ استباقي وتعاوني وعقلية مُبتكرة وقيادة منفتحة بينما تستشرف المستقبل القريب.

الابتكار الآن وفي المستقبل

خلال الفترة الماضية، لجأ معلقون إلى مفهوم الابتكار المُزعزع أو الابتكار المُسبب للاضطراب (Disruptive innovation) لتفسير الوضع الراهن والعصيب الذي تمر به الجامعات. وتتميز مثل تلك المراحل بتقلبات عميقة وتتطلب جرأة كبيرة في الاستفادة من الإمكانات الكاملة للتكنولوجيا حتى لو كانت النتيجة التخلي عن بعض الأساليب الراسخة للعمل.

ومع ذلك، فمن الحكمة أن تتوخى الجامعات الحذر عند التخلي عن النموذج التقليدي والشخصي للتفاعلات الاجتماعية بداخلها؛ حيث أن تبني المنهج التكنولوجي بشكلٍ أعمى سيفرض على الجميع التساؤل عما يعرفونه وعما يمكنهم فعله، مما يزيد صعوبة فترة التحول الراهنة بالنسبة للتعليم العالي.

ويعتقد خبراء بضرورة اعتبار التكنولوجيا فرصة أكاديمية وليس مجرد وسيلة مساعدة. ويستلزم هذا تغيير بعض العمليات الأساسية وثقافة العمل داخل الجامعات، دون الاكتفاء بتغيير أسلوب الخطاب. وتتفق الآراء على أولوية ما يُمكن تسميته بعلوم التعلم مثل العلوم العصبية وعلم النفس المعرفي في ظل تحول المحاضرات إلى أنماط مختلطة تختلف عن التواصل وجهًا لوجه في قاعات الدراسة، كما سيكون لإنتاج الوسائط المتعددة وتوجيهات التعلم وتحليل البيانات أهمية لا يُمكن إنكارها في بيئة التعلم الجديدة.

وسيتعين كذلك على المتخصصين في كل المجالات الاستعداد لإعادة تصميم وبرامجهم التعليمية كي تُلائم التقديم عن بُعد وتُشجِّع الطلبة على المشاركة. وذلك مع التصديق باختلاف تجربة التعلم الافتراضية وشبه الافتراضية عن التجربة المُعتادة والمليئة بالحيوية في الحرم الجامعي.

وفي كل الأحوال، لا يمكن التقليل من شأن المرونة التي أظهرتها الجامعة في خضم أزمة مُتعددة الأبعاد ومُعقدة مثل جائحة كورونا. وتظل الجامعات بحاجةٍ إلى الالتزام بنهجٍ استباقي وتعاوني وعقلية مُبتكرة وقيادة مُنفتحة والتحلي بقدرٍ كبير من الخيال والإبداع بينما تتلمس ببطء معالم المستقبل في الأجلين القصير والمتوسط.

المصدر

الصورة