ابتكارات غير حكومية

طاقة الرياح توجهٌ جديد للسفن وقطاع الشحن البحري

سفينة أوشنبيرد
4 يناير, 2021

بعد مُضي قرنين على عبور أول سفينة بُخارية تعمل بالفحم المحيط الأطلسي، صممت شركةٌ سويدية سفينة المستقبل؛ وهي سفينة شحن ضخمة تعمل بطاقة الرياح. وتُضاف إلى التحولات الجارية في قطاع الشحن باستخدام الطاقة المُتجددة والتخلي عن الوقود الأحفوري وتقليل الانبعاثات المُسببة لتغير المناخ.

وفي عام 2018، كانت عمليات الشحن مسؤولة عن 2.9% من غازات الاحتباس الحراري. وخلال السنوات الأخيرة، ارتفع نصيب قطاع الصناعة في الانبعاثات المُتسببة في رفع درجة حرارة كوكب الأرض، وفقًا للمنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة.

طائر المحيط

تختبر شركة “والينوس مارين” (Wallenius Marine) المُتخصصة في تصميم السفن وبنائها نموذجًا لسفينة بيضاء أنيقة لنقل السيارات في أحد خلجان بحر البلطيق، ويُطلق عليها اسم “أوشنبيرد” (Oceanbird) أو طائر المُحيط.

وقال بير تانل رئيس مُوظفي التشغيل في الشركة أن نتائج النموذج الذي يبلغ طوله سبعة أمتار مُشجِّعة. وأعرب عن ثقته في أن يكون نموذج أوشنبيرد الكامل جاهزًا للطلب بحلول نهاية عام 2021، على أن تصير السفية مُستعدة للخدمة في المحيط الأطلسي في عام 2024.

وسيبلغ طول سفينة أوشنبيرد 200 متر، وتتسع لنقل 7 آلاف سيارة. وبذلك قد تصير أطول سفينة تم بناءها على الإطلاق، وهي مُجهّزة بأشرعة مُزدوجة يصل طولها إلى 105 متر فوق سطح الماء. وتُشبه الأشرعة قليلًا الأشرعة القماشية المُنتفخة، لكنها قريبة الشبه إلى أجنحة الطائرات في وضعٍ رأسي.

وسيكون لدى السفينة مُحركات احتياطية، ولكنها تهدف إلى توفير 90% من الانبعاثات الكربونية مُقارنةً بالسفينة التقليدية التي تعمل بالوقود. وسيستغرق عبورها المحيط الأطلسي نحو اثني عشر يومًا، مقارنًة بثمانية أيام للسفن التي تعمل بالوقود.

وقال تانل: “يُمكن أيضًا تطبيق هذا التصميم ليكون سفينة رحلات أو سفينة شحن أو ناقلة نفط. وأحد أهم الشروط أنها ستكون مُناسبة من الناحية التجارية”. وأضاف أن تكلفة أوشنبيرد ستتجاوز قليلًا تكلفة ناقلة السيارات التقليدية دون أن يُحدد التكلفة بدقة.

ومع ذلك، ستكون تكاليف تشغيل سفينة أوشنبيرد التي تعتمد على طاقة الرياح أقل من غيرها، وخصوصًا في حال فرضت الحكومات الساعية للحد من الانبعاثات المُسببة لتغير المناخ ضرائب أو رسوم على الانبعاثات الكربونية الناجمة عن استخدام الوقود.

سُفن عالية التقنية مُنخفضة الانبعاثات

ينتظر مجال النقل البحري تحولات عميقة؛ بفضل استخدام الأشرعة المُزدوجة والمواد الأخف وزنًا والأكثر تحملًا التي قد تُساعِد في التحول إلى الاعتماد على الرياح. كما تسمح توقعات الطقس الطويلة الأجل والموثوقة بتخطيط أفضل لمسارات السُفن وتجنب العواصف وأماكن هدوء الرياح. وحتى الآن، اعتادت أغلب الشركات الساعية إلى تقليل الانبعاثات اعتبار الأشرعة إضافة للحد من استهلاك الوقود، دون أن تعتمد عليها كمصدر أساسي لحركة السفن.

ولا تقف “أوشنبيرد” وحدها في سوق الشحن ذي الانبعاثات الكربونية المُنخفضة. وتنتظر شركة “نيولاين” (Neoline) الفرنسية طلبات للحصول على سفينتها التي يبلغ طولها 136 متر، وهي مُناسبة أيضًا لنقل السيارات أو الآلات الزراعية. وتقول الشركة أن السفينةَ قادرةٌ على خفض الانبعاثات بنسبة 90%.

وقال جان زانوتيني المُدير التنفيذي لشركة “نيولاين” أن المفاوضات جارية بشأن إبرام عقود جديدة. ومن المُحتمل أن يبدأ عمل أول سفينة من إنتاج الشركة بحلول شهر يوليو/تموز عام 2023، وبتكلفةٍ تتراوح بين 54 و60 مليون دولار. وأضاف أن شركة “رينو” للسيارات ضمن الشُركاء في تصميم السفينة واستخدامها.

سفينة أوشنبيرد

حققت اختبارات نموذج سفينة أوشنبيرد، بطول سبعة أمتار، نتائج مُشجّعة  (المصدر)

عودة إلى المُستقبل!

من بين البواخر التي مرت عبر المحيط الأطلسي في فترةٍ مُبكرة، استغرقت سفينة إس إس سافانا (SS Savannah) تسعة وعشرين يومًا لعبور المحيط من ولاية جورجيا بالولايات المتحدة وصولًا إلى مدينة ليفربول في انجلترا عام 1819. وكانت عجلات المجداف على جانبيها هي المصدر الرئيس للطاقة. وفي عام 1833، عبرت سفينة إس إس رويال ويليام (SS Royal William) المحيط الأطلسي من بيكتو في كندا إلى لندن مُعتمدةً بالكامل على الطاقة البخارية من الفحم.

واليوم تسعى العديد من شركات الشحن إلى تقليل الانبعاثات من خلال الاستعانة بالأشرعة أو دوّارات فليتنر (Flettner rotors)، وهي أنابيب الدوران الطويلة التي تُساعِد في دفع السفن إلى الأمام بنفس الطريقة التي ترفع بها الأجنحة الطائرة. وتقول شركة نورسباور” (Norsepower) في فنلندا، والتي قامت بتركيب دوّارات على سفن الشحن وسفن الرحلات، أن باستطاعتها تقليل استهلاك الوقود بمُعدل يتراوح بين 5% و20%.

وقالت ديان جيلبين، رئيسة تحالف الشحن الأخضر الذكي في بريطانيا، أن السفن التي تعمل بالرياح تبدو حلًا واضحًا ومُسلمًا به لمُكافحة تغير المناخ. واعتبرت جيلبين أن تقبل السوق هو أحد أكبر التحديات أمام نجاح سُفن الشحن التي تعتمد على الطاقة المُتجددة.

وقبل نحو عقد من الزمان، تولت جيلبين قيادة شركة صممت سفينة شحن تعمل كُليًا بالطاقة المتجددة ومُزودة بأشرعة ومُحرك يستخدم الغاز الحيوي من النفايات.  ونجحت اختبارات نموذج للسفية دون أن يتم بنائها فعليًا. وقالت: “يتمثل التحدي الأكبر في استيعاب السوق لتلك السفن. يُحب الجميع الصور والقصص، ولكن لا أحد يستثمر فيها.”

ورغم ذلك، ترغب المنظمة البحرية الدولية في تخفيض الانبعاثات المُسببة لتغيّر المناخ والناتجة من الشحن إلى النصف بحلول عام 2050، مُقارنةً بمستويات عام 2008، وهذا يعني ضرورة أن تكون السفن التي تُشترَى في الوقت الحاضر، ويُتوقَع أن تمتد صلاحيتها لثلاثين عامًا، أقل تلويثًا.

ونظرًا لاستحواذ الوقود على أكثر من نصف تكاليف رحلات السفن، ترى جيلبين أن بمقدور الحكومات الإسهام في التحول الأخضر من خلال فرض رسوم على انبعاثات الكربون، وقد تكون خمسين دولار للطن على الشحن.

سفينة أوشنبيرد

تحمل سفينة أوشنبيرد مُحركات تعمل بالوقود الأحفوري أو الحيوي لتشغيلها في حالة هدوء حركة الرياح من أجل الالتزام بالجداول الزمنية للرحلات (المصدر)

تأتي الرياحُ بِما لا تَشتهي السُفن!

بطبيعة الحال، لا يخلو الاعتماد على الطاقة المُتجددة من مواطن للقصور. ومن بين عيوب السفن التي تعمل بالرياح أن الموانئ تعمل وفقًا لمواعيد صارمة، وهذا يعني أن تأخر الرحلة ولو ليومٍ واحد بسبب حركة الرياح  قد يُفقِد السفينة الموضع المُخصَص لها لتفريغ البضائع ويُنتِج تأخيرًا إضافيًا ومُكلفًا.

وللتغلب على تلك المُشكلة، يُخطط مصممو سفينتيّ “أوشنوبيرد” و”نيولاينر” لاستخدام المُحركات التي تعمل بالوقود الأحفوري أو الوقود الحيوي؛ من أجل الالتزام بالجداول الزمنية إذا هدأت الرياح التي يعتمدون عليها في الطريق، وإن كانت المُحركات وخزانات الوقود ستكون أصغر من تلك الموجودة على السفن المُشابهة.

المصدر

الصورة